ابن أبي الحديد

365

شرح نهج البلاغة

والمعضلات : جمع معضلة وهي الشدائد والأمور التي لا يهتدى لوجهها . دليل فلوات ، أي يهتدى به كما يهتدى الركب في الفلاة بدليلهم . أمها : قصدها . ومظنة الشئ : حيث يظن وجوده . والثقل : متاع المسافر وحشمه . [ فصل في العباد والزهاد والعارفين وأحوالهم ] واعلم : أن هذا الكلام منه أخذ أصحاب علم الطريقة والحقيقة علمهم ، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من الله تعالى . والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جدا ، مناسبة للنبوة ويختص الله تعالى بها من يقربه إليه من خلقه . والأولياء على طبقات ثلاث : الطبقة الأولى : حال العابد ، وهو صاحب الصلاة الكثيرة ، والصوم الدائم ، والحج والصدقة . والطبقة الثانية : حال الزاهد ، وهو المعرض عن ملاذ الدنيا وطيباتها ، تقنعه الكسرة ، وتستره الخرقة ، لا مال ولا زوجة ولا ولد . والطبقة الثالثة : حال العارف ، وهر الواصل إلى الله سبحانه بنفسه لا ببدنه ، والباري سبحانه متمثل في نفسه تمثل المعشوق في ذات العاشق . وهو أرفع الطبقات ، وبعده الزاهد . وأما العابد فهو أدونها ، وذلك لان العابد معامل كالتاجر ، يعبد ليثاب ، ويتعب نفسه ليرتاح : فهو يعطى من نفسه شيئا ويطلب ثمنه وعوضه ، وقد يكون العابد غنيا موسرا ، كثير المال والولد ، فليست حاله من أحوال الكمال . وأما الزاهد فإنه احتقر الدنيا وعروضها وقيناتها ، فخلصت نفسه من دناءة المطامع .